أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
75
شرح مقامات الحريري
عرضت الشيء على البيع وعرّضته للبيع ، إن أتيت بعلى خفّفت الراء ، وإن أتيت باللام شدّدتها . والحقيبة : وعاء يجعله الراكب خلفه ، والاعتبار والاختبار واحد . * * * فابتدر أحد من حضر ، وقال : أعرف بيتا لم ينسج على منواله ، ولا سمحت قريحة بمثاله ، فإن آثرت اختلاب القلوب ، فانظم على هذا الأسلوب : [ البسيط ] فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت * وردا وعضّت على العنّاب بالبرد * * * قوله : « ابتدر » ، أي سبق بالكلام وبادر به . والمنوال : خشبة الحائك ؛ يريد أنّ البيت رفيع الصنعة في الشّعر لم يصنع بيت مثله ، لأنّ الثوب أنواع ، وصنعة الشعر تشبه نسج الثوب . سمحت : جادت . قريحة : ذهن . آثرت : فضّلت . اختلاب القلوب : إمالتها إليك بتصديقك وانخداعك بما تبديه ، وهو من الخلب وهو من غشاء القلب . وعن أبي عبيدة وغيره قال ثعلب : الخلب : الّذي بين الزيادة والكبد ، يقال : خلبني حبّ فلان ، أي وصل حبّه إلى خلبي ، وفلان خلب نساء ، أي تخلبه النساء ، وخلّاب : يخلب الناس ، أي يذهب بقلوبهم ، وخلب جمعه خلبة ، وكلّه من الخلب ، قال أعرابيّ : [ البسيط ] من كان لم يدر ما حبّ جمعت له * أو كان في غفلة أو كان لم يجد فالحبّ أوّله روع وآخره * مثل الحرارة بين الخلب والكبد [ انظم : قل شعرا منظوما . والأسلوب : الطريقة ] . لؤلؤا : درّا . النرجس : نوّار أصفر في نوره انكسار وفتور لا يكاد يرى ، له ورقة قائمة ، تشبّه به العينان إذا كان في نظرهما فتور . [ ما قيل في النرجس ] وقد تمادى إنكار أدباء وقتنا تشبيه العين بهذا النوّار الأصفر المعروف عندنا بالنرجس ، فأكثرهم ينكر أن يكون يقع به تشبيه لأجل صفرته ، وإن ذكرته لأحد قال : وأيّ صفرة في العين إلّا أن يكون بصاحبها علّة اليرقان ! ويستهجن موضع التشبيه جدّا . وقد سألت عنه بعض أشياخي في صغري ، وأنا أقرأ عليه كتاب « الجمل » وكان أديبا شاعرا ، فأنكر وقوع التشبيه بهذا النّور الأصفر ، وقال لي : النّرجس عندهم بالمشرق نور يشبه نوّار القول ، وأكثر من لقيته يستبعد التشبيه بهذا الأصفر ، لأجل لونه ، وذلك لقلّة تحصيلهم معرفة كلام العرب وتشبيهاتها ، والعرب توقع تشبيهاتها على الصورة دون المعنى ، وعلى المعنى دون الصورة ، وعليهما جميعا ؛ وهو أكمل وجوه التشبيه . وانظر أقسام التشبيه في الثالثة والعشرين تقع على علم هذا وغيره بإذن اللّه تعالى .